محمد عزة دروزة
609
التفسير الحديث
تعليق على الآية * ( هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ والْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّه ) * والآية التالية لها وما فيهما من صور الآيتان استمرار للخطاب الموجه للمؤمنين كسابقاتهما وجزء من السياق . وقد استهدفتا ما استهدفته الآيات السابقات من تثبيت وتطمين . وقد انطوتا على تقرير ما يلي : « 1 » إن الكفار مستحقون لعذاب اللَّه تعالى . ولقد كان قادرا على إنزال النكال الشديد بهم حالا لما بدا منهم . فهم كافرون من جهة . وقد صدوا المسلمين عن زيارة المسجد الحرام . وصدوا الهدي المنذور للَّه عن المكان الذي يحل فيه نحره من جهة . ولعبت في رؤوسهم نزوة الجاهلية وحميتها من جهة . « 2 » ولكن حكمة اللَّه العليم بكل شيء قضت بأن ينتهي الموقف إلى ما انتهى إليه . فأنزل السكينة على رسوله وعلى المؤمنين . وهدّأ من سورة غضبهم وغيظهم . وألزمهم كلمة التقوى التي هي الأمثل بهم لأنهم أهلها والأحق بها . وألهمهم الرضاء بما فيه الخير والمصلحة . ولا سيما أنه كان في مكة فريق من المؤمنين والمؤمنات لا يعلمهم المؤمنون الذين كانوا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . وكان من المحتمل أن يدوسوهم وينالهم أذى أثناء الاشتباك فيقعوا بذلك في الإثم والمشاكل . وهذه ناحية رئيسية من حكمة اللَّه تعالى في كفّ أيدي الفريقين عن بعض . ولقد احتوت الآيتان إشارات خاطفة متوافقة مع ما ذكر الرواة تفصيله وأوردنا خلاصته قبل في صدد بعض مشاهد سفرة الحديبية والمفاوضات التي جرت بين النبي صلى اللَّه عليه وسلم ومندوبي قريش وما كان من تعنّت قريش وإصرارهم على الشروط التي كان الحافز عليها أنفة الجاهلية وحميتها وما كان من هدوء جأش النبي صلى اللَّه عليه وسلم وتساهله وموقفه الحازم وانبثاث السكينة في نفسه ونفوس معظم المسلمين ومسايرتهم لهذه الشروط التي لا تهضمها النفوس بسهولة لولا إلهام اللَّه وسكينته التي أنزلها على قلوبهم وإلزامه إياهم كلمة التقوى والحق والمصلحة .